عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
227
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وألوان الطعام والشراب . قال أبو عبد الرحمن العتبي : « ودخلت عليه في بعض الأيام وهو جالس في موضع آخر داره . وقد رفعه على بركة وفي صدره صفة « 1 » وهو يشرف منها على البستان وعلى حيز الغزلان وحظيرة القمارى « 2 » وأشباهها . فقلت له : يا أبا جعفر أنت واللّه جالس في الجنة ليس ينبغي لك أن تخرج من الجنة حتى نصطبح فيها . فما جلست واستقر بي المجلس حتى أتوه بمادة جزع « 3 » لم أر أحسن منها وفي وسطها جام جزع ملونة « 4 » قد لوي على جنباتها الذهب الأحمر ، وهي مملوءة من ماء ورد وقد جعل سافا على ساف « 5 » كهيئة الصومعة من صدور الدجاج ، وعلى المائدة سكرجات جزع فيها الأصباغ وأنواع الملح . ثم أتينا بشنبوشق بلور وبعده جامات اللوزينج ، ورفعت المائدة وقمنا من فورنا إلى موضع الستارة . فقدم بين أيدينا آجاثة ( طشت ) صيني بيضاء قد كرّمت بالبنفسج والخيري « 6 » وغيرها مثلها قد عبىء فيها التفاح الشامي قدر مقدار ما حضر فيها ألف حبة . فما رأيت طعاما أنظف منه ، ولا ريحا أظرف منه ، فقال لي : هذا حق الصبوح . فما أنسى إلى الساعة طيب ذلك اليوم » . ترف الطبقات في أطعمتها : على أن هذه الحياة الباذخة لم تكن لتقتصر على هذه الطبقة الحاكمة من الخلفاء والوزراء والقواد . بل انغمس فيها طبقة أخرى من الأغنياء والخاصة الذين قلدوا قصور الخلفاء وعاشوا عيشهم في ترف ونعيم . بل زادوا في لهوهم ومجونهم لما تقتضيه طبيعة مجالس الخلفاء من حشمة ووقار لا يلتزمهما غيرهم من الأغنياء . وسلك سلوكهم أولاد الخاصة وسرت عدوى الترف من أولاد الأغنياء إلى الطبقة الوسطى ، هذه الطبقة نشأت
--> ( 1 ) الصفة : مكان عال قد يشبه الشرفة اليوم . ( 2 ) ج قمري وهو الحمامة . ( 3 ) الجزع بفتح الجيم وكسرها وتسكين الزاي الخرز اليماني الصيني فيه بياض وسواد . وكل ما فيه بياض وسواد فهو مجزع . ( 4 ) أي من زجاج ملون بسواد وبياض . وهو وعاء بلور على هيئة الشنبوشق . ( 5 ) أي طبقة فوق طبقة من لحم الدجاج كهيئة مخروط . ( 6 ) قد فرش فيها البنفسج . والخيري ، وهو نوع من الرياحين .